محمد بن جرير الطبري
388
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
به الخبر عنه أنه ترك دين الله الذي ارتضاه لعباده وجعله لهم طريقا يسلكونه إلى رضاه ، وسبيلا يركبونها إلى محبته والفوز بجناته . فجعل جل ثناؤه الطريق الذي إذا ركب محجته السائر فيه ولزم وسطه المجتاز فيه ، نجا وبلغ حاجته وأدرك طلبته لدينه الذي دعا إليه عباده مثلا لإِدراكهم بلزومه واتباعه إدراكهم طلباتهم في آخرتهم ، كالذي يدرك اللازم محجة السبيل بلزومه إياها طلبته من النجاة منها ، والوصول إلى الموضع الذي أمه وقصده . وجعل مثل الحائد عن دينه والحائد عن اتباع ما دعاه إليه من عبادته في حياته ما رجا أن يدركه بعمله في آخرته وينال به في معاده وذهابه عما أمل من ثواب عمله وبعده به من ربه ، مثل الحائد عن منهج الطريق وقصد السبيل ، الذي لا يزداد وغولا في الوجه الذي سلكه إلا ازداد من موضع حاجته بعدا ، وعن المكان الذي أمه وأراده نأيا . وهذه السبيل التي أخبر الله عنها أن من يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضل سواءها ، هي الصراط المستقيم الذي أمرنا بمسألته الهداية له بقوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ . القول في تأويل قوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً قال أبو جعفر : وقد صرح هذا القول من قول الله جل ثناؤه ، بأن خطابه بجميع هذه الآيات من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وإن صرف في نفسه الكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما هو خطاب منه للمؤمنين وأصحابه ، وعتاب منه لهم ، ونهي عن انتصاح اليهود ونظرائهم من أهل الشرك وقبول آرائهم في شيء من أمور دينهم ، ودليل على أنهم كانوا استعملوا ، أو من استعمل منهم في خطابه ومسألته رسول الله صلى الله عليه وسلم الجفاء ، وما لم يكن له استعماله معه ، تأسيا باليهود في ذلك أو ببعضهم . فقال لهم ربهم ناهيا عن استعمال ذلك : لا تقولوا لنبيكم صلى الله عليه وسلم كما تقول له اليهود : " راعنا " تأسيا منكم بهم ، ولكن قولوا : " انظرنا واسمعوا " ، فإن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بي وجحود لحقي الواجب لي عليكم في تعظيمه وتوقيره ، ولمن كفر بي عذاب أليم ؛ فإن اليهود والمشركين ما يودون أن ينزل عليكم من خير من ربكم ، ولكن كثيرا منهم ودوا أنهم يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ، من بعد ما تبين لهم الحق في أمر محمد وأنه نبي إليهم وإلى خلقي كافة . وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كعب بن الأَشرف . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري في قوله : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هو كعب بن الأَشرف . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان العمري ، عن معمر ، عن الزهري وقتادة : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ قال : كعب بن الأَشرف . وقال بعضهم بما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق . وحدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا ، إذ